الثعالبي
391
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
همزته هاء ، كما قالوا : أرقت الماء ، وهرقته ، واستحسنه الزجاج . وقوله سبحانه : ( فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق ) : المعنى ، عند الجمهور : إن اخترت أن تحكم ، فاحكم بينهم بما أنزل الله ، وليست هذه الآية بناسخة لقوله : ( أو أعرض عنهم ) [ المائدة : 42 ] . ثم حذر الله تعالى نبيه - عليه السلام - من اتباع أهوائهم . وقوله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) ، أي : لكل أمة ، قاله الجمهور ، وهذا عندهم في الأحكام ، وأما في المعتقدات ، فالدين واحد لجميع العالم ، ويحتمل أن يكون المراد الأنبياء ، لا سيما وقد تقدم ذكرهم ، وذكر ما أنزل عليهم ، وتجئ الآية ، مع هذا الاحتمال تنبيها لنبينا محمد - عليه السلام - ، أي : فاحفظ شرعتك ومنهاجك ، لئلا تستزلك اليهود ، أو غيرهم في شئ منه ، وأكثر المتأولين على أن الشرعة والمنهاج بمعنى واحد ، وهي الطريق ، وقال ابن عباس وغيره : ( شرعة ومنهاجا ) : سبيلا وسنة ، ثم أخبر سبحانه ، أنه لو شاء ، لجعل الناس أمة واحدة ، ولكنه لم يشأ ، لأنه أراد اختبارهم وابتلاءهم فيما آتاهم من الكتب والشرائع ، كذا قال ابن جريج وغيره . ثم أمر سبحانه باستباق الخيرات في امتثال الأوامر ، وختم سبحانه بالموعظة والتذكير بالمعاد ، فقال : ( إلى الله مرجعكم جميعا ) ، والمعنى : فالبدار البدار . وقوله سبحانه : ( فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ) ، معناه : في الثواب والعقاب ، فتخبرون به إخبار إيقاع ، وهذه الآية بارعة الفصاحة ، جمعت المعاني الكثيرة في الألفاظ اليسيرة ، وكل كتاب الله كذلك ، إلا أنا بقصور أفهامنا يبين لنا في بعض أكثر مما يبين لنا في بعض . وقوله تعالى : ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم . . . ) الآية : الهوى مقصور يجمع على أهواء ، والهواء ممدود يجمع على أهوية ، ثم حذر تعالى نبيه - عليه السلام - من اليهود ، أن يفتنوه ، بأن يصرفوه عن شئ مما أنزل الله عليه من الأحكام ،